السيد محمد باقر الصدر
538
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
هذه هي نظرة الإسلام نحو الأرض كما تبدو لنا - حتّى الآن - قبل إبراز العنصر السياسي منها . وفي الواقع أنّها جديرة بحلّ التناقض القائم بين أنصار ملكيّة الأرض وخصومها ، فإنّ ملكيّة الأرض من القضايا الاجتماعيّة التي لعبت دوراً مهمّاً في التفكير البشري ، تبعاً لأهميّتها بوصفها ظاهرة عاشت في حياة الإنسان منذ آلاف السنين . وأكبر الظنّ أنّ هذه الظاهرة ولدت في تاريخ الإنسان أو اتّسعت بعد اكتشافه للزراعة واعتماده في حياته عليها ؛ إذ وجد الإنسان المزارع نفسه بحاجة إلى الاستقرار في أرض خاصّة مدّة من الزمان ، لما يتطلّبه هذا الإنتاج من وقت ، فكان من الطبيعي أن يرتبط إلى حدٍّ ما بمساحة معيّنة من الأرض ، ويمارس فيها عمله ، ويقيم له فيها مأوىً ومسكناً يسكنه قريباً من زرعه ؛ ليكون قادراً على مراقبته والمحافظة عليه ، وفي النهاية وجد الإنسان المزارع - أيّ مزارع - نفسه مشدوداً إلى مساحة من الأرض ومرتبطاً بها بعدّة روابط تنبع كلّها أخيراً من عمله الذي أنفقه على الأرض ، وجهده الذي اختلط بتربتها وكلّ ذرّة من ذرّاتها ، فكان من أثر ذلك أن نشأت فكرة الاختصاص ؛ لأنّها كانت تعكس من ناحيةٍ هذا الارتباط الذي يجده المزارع بينه وبين عمله المنفصل الذي جسّده في الأرض ومزجه بوجودها . ومن ناحية أخرى كانت فكرة الاختصاص تحقّق الاستقرار ، وتسفر عن تقسيم الأرض على أساس الكفاءة ؛ إذ يحتفظ كلّ فرد بالمساحة التي عمل فيها وأثبت كفاءته إلى درجة ما في استثمارها . وعلى هذا الأساس نرجّح أن تكون الحقوق الخاصّة في الأرض نشأت تاريخيّاً في أكبر الظنّ نتيجة للعمل ، واتّخذت هذه الحقوق على مرّ الزمن شكل الملكيّة .